فقه التقوى في محاضرة (حِلية القلب) للداعية/ فاطمة عبدالمطلب

18 مايو 2016

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد..

قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [الحجرات: 13]. وقال الله تعالى: "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)" [الطلاق: 2، 3]. تقوى الله تبارك وتعالى أكرم ما أسررنا، وأزين ما أظهرنا، وأفضل ما ادخرنا، وأحسن ما لبسنا. والخاسر من أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من يستوي عنده السر والعلانية. وتقوى الله عزَّ وجلَّ: أن تفعل ما أمرك الله به رجاء ثوابه، وأن تترك ما نهاك عنه خوفاً من عقابه. وحق تقاته: أن لا يترك المسلم شيئاً مما أمر الله به إلا فعله، وأن يجتنب كل ما نهى الله عنه. فيطيع ربه ولا يعصيه.. ويذكره ولا ينساه.. ويشكره ولا يكفره.. ويؤمن به ويتوكل عليه.

وقد أمر الله عباده المؤمنين بالتقوى؛ لأنهم هم الذين يعرفون ما يستحقه سبحانه من التعظيم والإجلال والتوقير، وكمال المحبة والطاعة والذل للرب سبحانه فقال: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" [آل عمران: 102]. ولكن أحداً لا يستطيع أن يقوم بكمال التقوى، فمن رحمة الله أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، فإذا فعل الإنسان ما يستطيع مما أمر الله ورسوله به، وترك ما نهى الله ورسوله عنه، فقد اتقى الله حق تقاته كما قال سبحانه: "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [التغابن: 16]. وقال سبحانه: "وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" [الحشر: 7].

والتقوى تقوم على أصول عظيمة، ولها دلائل وشواهد من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والأعمال الصالحة التي هي آثار الإيمان وبرهانه ونوره، والأخلاق الحسنة التي هي جمال الإنسان، فمن اتصف بهذه الصفات فهو من الأبرار الصادقين المتقين كما قال سبحانه: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" [البقرة: 177].

والتقوى: هي التحلية بعد التخلية، والتزين بعد التطهر بفعل الطاعات بعد التخلي عن السيئات. والتحلية فعل الحسنات إما بالقلب، أو القالب، أو المال. فرأس الأعمال القلبية الإيمان، والجامعة للأعمال البدنية هي الصلاة التي هي عماد الدين، وقطب الأعمال المالية هي الزكاة والصدقات كما قال سبحانه: "الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)" [البقرة: 1-3]. والتقوى وصية الله للأولين والآخرين كما أخبر الله بذلك بقوله: "وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا" [النساء: 131]. وتقوى الله عزَّ وجلَّ هي أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك، وأن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله.

والتقوى قسمان:

تقوى القلوب.. وتقوى الجوارح.

والأصل تقوى القلوب، وتقوى الجوارح من لوازم تقوى القلوب، وهي ثمرة تقوى القلوب، فالتقوى في الحقيقة في القلب كما قال سبحانه: "ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ" [الحج: 32]. وتقوى الجوارح لا قيمة لها ولا وزن بدون تقوى القلوب. والله سبحانه أمر عباده أن يقوموا بشرائع الإسلام على ظواهرهم، وحقائق الإيمان على بواطنهم، ولا يقبل واحد منهما إلا بصاحبه وقرينه، والإسلام علانية، والإيمان في القلب. وكل إسلام ظاهر لا يقوم على حقيقة الإيمان الباطنة فليس بنافع حتى يكون معه إيمان باطن.وكل حقيقة باطنة لا يقوم صاحبها بشرائع الإسلام الظاهرة لا تنفع ولو كانت ما كانت. فلو تمزق القلب بالمحبة لله، والخوف منه، والتعظيم له، ولم يتعبد بالأمر وظاهر الشرع لم ينجه ذلك من النار. كما أنه لو قام بظواهر الإسلام، وليس في باطنه حقيقة الإيمان، لم ينجه ذلك من النار: "فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" [الكهف: 110].

وأكمل الهدي في الإسلام والإيمان والإحسان وفي كل شيء هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان موفيًا كل واحد حقه، فكان مع كمال تقواه وإرادته يقوم الليل حتى تتورم قدماه، ويصوم حتى يقال لا يفطر، ويجاهد في سبيل الله، ويحج ويعتمر، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله، ويكرم الضيوف، ويواسي المحتاجين، ويخالط أصحابه، ويؤدي الفرائض، ولا يترك شيئًا من النوافل والأذكار والأوراد.