راحة النفس في العبودية، والسجود هو غاية الخضوع. محاضرة "واسجد واقترب".

16 ديسمبر 2015

 

قدَّمت الداعية أُم مِشعل محاضرة "واسجد واقترب" في لقاء الأربعاء والتي بدأتها بكلمة الترحيب بالحضور من الأخوات الفضليات ثم أردفت قائلةً:

(الحمدلله الذي يعلم خفيات الأمور، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، تصمد له الكائنات وتسجد له المخلوقات، ويسبح له ما في الأرض والسماوات (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) .. [الإسراء : 44]. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) .. [الحج : 18].

 

أعذب مناظر الخشوع

وأكملت الداعية: (سبحان من لو سجدنا بالعيون له على حمى الشوك والمحمي من الإبر لم نبلغ العشر من معشار نعمته ولا العشير ولا عشرًا من العشر. هو الرفيع فلا الأبصار تدركه سبحانه من مليك نافذ القدر، سبحان من هو أُنسي خلوت به في جوف ليلي وفي الظلماء والسحر، أنت العظيم وأنت الحب يا أملي من لي سواك ومن أرجوه يا ذُخري. (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَما الْأَرْضِ) .. [النحل :59]، فالسجود له سبحانه أعظم دلائل الإجلال، وتمريغ الوجه في التراب أقصى علامات التذلل للوهاب. فهو أقصى درجات العبودية، وأجل مظاهر التذلل، وأصدق دلائل الإذعان، أجمل رسائل الحب، وأعذب مناظر الخشوع، أفضل أثواب الافتقار. وهو انطراح للجبار، وتذلل للقهار، وتمريغ للأنف، وتعفير للوجه، تزلف للمحبوب، وانطلاق من أسر الدنيا، وهروب من قيود الطاغوت، وتجرد من أوسمة العظمة، وتخل ٍّ من رتب الفخامة، وألقاب الزعامة، (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) .. [مريم :93]. يسجد الملك والمملوك، والغني والفقير، والسيد والمسود، والرجل والمرأة، كلهم سواءٌ في فقرهم إلى الكريم، وذلهم للعظيم. والسجود رسالةٌ معبرة لكل ملوك الأرض، وكل عظماء الدنيا أن التذلل الحق، والخشوع الحق، للملك الحق، الواحد القهار، للكبير المتعال، من بيده مقاليد السماوات والأرض).

 

واسجد واقترب

وقالت الكنعاني مخاطبةً الحضور: "أختي الكريمة بقدر سجودكِ لله بقدر رفعتكِ عند الله، فالسجود لغيره ذلة واتضاع، والسجود له عزة وارتفاع، ولقاؤنا اليوم عنوانه مقتبس من قول الله تعالى في خاتمة أول سورة أنزلت على النبي صل الله عليه وسلم وهي سورة العلق، وجاء في سبب النزول أنَّ أبا جهل توعد النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه إذا سجد أنْ يطأ بقدمه رأس النبي صل الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ أبا جهل قال: "محمد يُعَّفِّر وجهه بجانب البيت وأنتم تنظرون، لئن خرج محمد يعفر وجهه لأطأن على رقبته، فخرج رسول الله صل الله عليه وسلم وذهب يصلي فأراد أبو جهل أن يطأ على رقبته، فما إن قرب قليلًا حتى جعل ينكص على عقبيه، ويتقي بيده، قالوا: ما لك؟ قال: لقد رأيت خندقًا من نار وهولًا وأجنحة، قال النبي صل الله عليه وسلم: والله لو دنى مني لتخطفته الملائكة عضوًا عضوًا، فأنزل الله عز وجل: "كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ"..[العلق : 19].

 

أعظم هيئات العبودية

وأشارت إلى إنَّ لذة الحياة، وروعة الأنس، وراحة النفس هي في عبودية الإنسان لربه. للعبودية ركنان أساسان: كمال الذل والخضوع، مع كمال المحبة لله – تعالى، فهيئة السجود محبوبة عند الله فهي غاية الخضوع، وترك التكبر وكسر النفس بالله تعالى، فإذا سجد العبد فقد خالف هواه وبعد عنه، وإذا بعد عن هواه قرب من ربه ومولاه. فالخضوع لله، والاستسلام له، والتذلل بين يديه، والافتقار إليه – هوحقيقة العبودية، لذا كان "السجود لله أعظم هيئات العبودية، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، لأنَّ السجود إذعان بالعبودية، واعتراف بالألوهية، وخضوع تام للمهيمن، ومنابذة للشيطان، وتحرر من الهوى، وانطلاق من قيود الدنيا، وعتق من عبودية الطاغوت، والسجود لله هيئة خاشعة تثير في النفس حديثًا لا ينتهي من المحبة للجليل، والتمسكن للأحد الصمد، والاستسلام للملك السلام: "فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا" [النجم : 62].

 

له دعوة الحق

واستطردت الكنعاني: "وما مِنْ هيئة أحب إلى الله من عبدٍ ساجدٍ أو معفر رأسه في التراب بين يدي الله، ودائمًا يربط الله السجود بالتوحيد وعبادة الله، كما في قوله تعالى: "لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۩ (15)" [الرعد: 14 – 15]. ثم أتبعها بقوله مقررًا إياهم أصول وحدانيته الضاربة في عمق هذا الكون الخاضع لخالقه الواحد الأحد سبحانه "قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ" [الرعد : 16].

لقد جعل الله جل جلاله السجود صفة ملازمة لأنبيائه المصطفين ومن اتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، فبعد أن ذكر الله زمرة من أنبيائه قال تعالى: "أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩" [مريم : 58].